الشباب و معضلة الهجرة ، المخذرات و العنف".


مقدمـــــــــة: 
  تميزت الأحداث المعاصرة بتعدد الظواهر واختلافها ، فمع نهاية الحرب الباردة برزت عدة تهديدات  غير تقليدية في مواجهة استقرار  الأمن الانساني على وجه الخصوص نتيجة تداخل المصالح الدولية ، ومن المشاكل التي أصبحت تعتبر خطراً على الأمن والاستقرار  تلوث البيئة والسباق نحو التسلح  والمخدرات والإرهاب ، والهجرة غير الشرعية التي ازدادت حدة  وانتشارا منذ نهاية التسعينيات متخذة أشكالاً جديدة معروفة سابقاً فالمتتبع للمتغيرات الحاصلة في عالم اليوم يجد ان تشابك المؤثرات ، من مختلف التحالفات و الشراكات ، تحكمها المصالح المتتداخلة و تغذيها النزاعات على قيادة العالم بمنظماته و هيئاته ، ونظرا لما للهجرة من تداعيات خاصة تلك المتعلقة بالشباب و تأثره بالظروف الاجتماعية و نزعته نحو العنف كوسيلة للدفاع عن كيانه الفردي و الاجتماعي ، في بيئة مجهولة الهوية و العادات بالنسبة لتلك التي ترعرع فيها ، من جهة ومن جهة اخرى اصطدامه بالواقع الماساوي للحياة اليومية للمهاجرين الذين ينشدون جنة الأحلام في تلك الدول المهاجرين اليها ، ما يجعل من الفئة الشابة اداة لترويج العنف على اعتبار حالة التنشئة الاجتماعية البسيطة التي ميزتهم في مجتمعاتهم ، فالمتتبع للظاهرة محل الدراسة الشباب ومعضلة الهجرة غير الشرعية ، يجد نفسه في إشكالية تتسم بالصعوبة القصوى في فهم العلاقة الجدلية بين الهجرة و العنف و تأثيرها على العلاقات بين دول ضفتي المتوسط ؟  .
                 و بغرض الاجابة على الاشكالية موضوع الدراسة لا بأس من عرض الفرضيات التالية :
-          العنف و الهجرة الغير شرعية ناتجة عن ظروف و عوامل سياسية ، اقتصادية و اجتماعية و أخرى دينية  .
-          للهجرة غير الشرعية و العنف انعكاسات على طبيعة العلاقة بين دول ضفتي المتوسط – الأورومغاربية – على جميع الأصعدة الإقتصادية ، الإجتماعية و الأمنية و السياسية .
-          لظاهرة الهجرة السرية رابطة وثيقة بالعنف .

المحور الاول :عوامل هجرة الشباب(معياري الدافع والجذب) :
إن الدراسة العلمية والفهم الصحيح لظاهرة هجرة الشباب بصفة عامة تتطلب المعرفة الدقيقة لدوافعها لدى هذه الفئة  ، وذلك حتى يمكن معالجة الظاهرة معالجة علمية . إذ إنها ظاهرة متعددة الجوانب ، ومتشعبة الأبعاد ، كما أن معرفة دوافع الهجرة قد تعكس العديد من الآثار التي يمكن أن تترتب عليها سواء كانت هذه الآثار سلبية أو إيجابية ، وسواء أكانت في المجتمع المهاجر منه أو المجتمع في مناطق العبور منه ، أو المجتمع المهاجر إليه ، وكذلك طبيعة المهاجرين أنفسهم . ( 1 )
 ومن خلال هذا المحور سنقوم بتوضيح العديد من العوامل لدراسة دوافع هجرة  الشباب وأسبابها ، وهذا يعني أن هناك مجموعة من العوامل المرتبطة والمتداخلة ،منها السياسيةوالاقتصادية والاجتماعية والنفسية والجغرافية والديموغرافية التي تتحكم فيها ، وقد أكدت معظم الدراسات على أن دوافع الهجرة تتلخص في عوامل الطرد في البلد الأصلي وعوامل الجذب في البلد المستقبل .                                                                                                 
 إن الأسباب المؤدية إلى الهجرات الشبانية غير الشرعية إلى الدول الأوروبية على وجه الخصوص كثيرة ، ويؤثر بعضها في الأخر . إذن هناك مجموعة من المؤثرات على الهجرة في مناطق الطرد ومناطق الجذب ، وهناك مجموعة أخرى من العوامل التي تؤثر ، أو تعوق الهجرة بين مناطق الأصل والوصول ، وأن هذه العوامل تختلف درجة تأثيرها من منطقة إلى أخرى ، ومن فترة زمنية إلى أخرى .(2 )
أولا : الأسباب الدافعة لهجرة الشباب
تتعدد الطروحات حول أسباب الهجرة غير الشرعية للفئةالشبانية ، وذلك نتيجة لتعدد الدوافع المحركة لها. فالاقتصاديون  ينظرون لهامن زاوية اقتصادية بحتة ، وعلماء الاجتماع يركزون على البعد الاجتماعي للظاهرة ، أما علماء السياسة فلهم آراؤهم السياسية ، ولعلماء النفس نظرتهم المرتكزة على نفسية الفرد والدوافع السيكولوجية ، و علماء الجغرافية يركزون على الظروف الجغرافية ، كما يشير بعض الكتاب إلى عوامل متعددة متداخلة تدفع إلى هذا النوع من الهجرة .
فمن أسباب الهجرة الخارجية نذكر ما يلي :
الأزمات السياسية أو الدينية التي تؤدي إلى هجرة أو طرد جماعة أو جنس أو حزب أو طبقة اجتماعية غُلبت على أمرها ، كطرد الشعب الفلسطيني من أرضه المحتلة سنة 1948.(3)
2- تشجيع الهيئات الرسمية للنازحين والوافدين
 3- العنف وما ينشأ عنه من هجرات إجبارية كتهجير الزنوج الأفريقيين قسراً إلى العالم الجديد .
4- النمو السكاني إذ يتغير التوازن الديموغرافي في العالم بشكل سريع ، ومن المتوقع أن يرتفع نصيب الجنوب من سكان العالم إلى (84%) بحلول سنة 2025ف مقابل (68%) في سنة 1960ف ، وقد كانت نسبة (93%) من الأطفال الذين ولدوا في سنة 1990 في العالم النامي  - الأزمات الاقتصادية في منابع الهجرة تساعد عادة على تقوية التيار النازح ، وقد زاد التيار قوة على قوة بعد تقدم وسائل النقل في البر والبحر.( 4 )
     وهناك من يحدد العوامل التي تحفز على الهجرة ، وتؤثر في تياراتها فقسمها إلى الفئات الأربعة التالية:-
1- عوامل مرتبطة بالمنطقة الأصلية للمهاجرين (منطقة الهجرة) .
2- عوامل مرتبطة بمنطقة استقبال المهاجرين (منطقة الوصول) .
3- العوائق المتداخلة بين المنطقتين ( منطقة العبور) .  ( 5 )
بالإضافة إلى ما سبق توجد مجموعة من العوائق المتداخلة بين كل منطقتين من مناطق الهجرة  والوصول ، وقد تكون هذه العوائق بسيطة حيناً ، أو يصعب التغلب عليها حيناً آخر، وتعد المسافة أبرز هذه العوائق ، وأكثرها أثراً في تحديد حركة الهجرة وحجمها وتكاليف الانتقال ، كما أن هناك عوامل ذاتية كثيرة تؤثر في دفع الفرد للهجرة ، أو العزوف عنها  .
وهكذا تعددت الآراء المفسرة لظاهرة الهجرة الدولية ، ولكن بالرغم من هذه الاختلافات فإنَ العلماء قد قسموا تلك العوامل إلى قسمين هما العوامل الدافعة والعوامل الجاذبة ، وسوف نتناول هذين العاملين فيما يلي بشيء من التفصيل ، وما يؤديانه من دور بارز بصفتهما محركين أساسين لظاهرة الهجرة الدولية سواء كانت شرعية أو غير شرعية على النحو التالي :
أولاً / العوامل الدافعة (الطاردة) :
هي عبارة عن مجموعة من العوامل التي أدت و دفعت ، وتسببت في هجرة الشباب خارج وطنهم ، وهي تتمثل في الظروف السائدة في الدول المصدرة للمهاجرين من الناحية السياسية و الاقتصادية و الجغرافية والاجتماعية  والديموغرافية  والنفسية ، وغيرها التي تتسبب في طرد المهاجرين إلى خارج وطنهم . ( 6 )
    و يمكن توضيح هذه العوامل على النحو التالي :
الظروف السياسية :
تعتبر الظروف السياسية من أبرز العوامل المؤدية إلى الهجرة على مر التاريخ ، حيث إنه من خلال تتبع المسارات الزمنية فان الهجرة الدولية أخذت بالتأثر مع مرور الزمن بالعوامل السياسية كمسبَب للهجرة ، ويتمثل العامل السياسي في أن هناك عمليات تبادل سكاني واسعة النطاق تمتد بين دول عديدة ، ومن الأسباب السياسية القسرية التي تدفع إلى الهجرة ضغط القوة والتهديد والاستيلاء ، أي أن التدخل العسكري الخارجي من أية دولة من الدول يؤدي إلى هجرة خارجية ، إضافة إلى أن الضغط السياسي المحلي يؤدي كذلك إلى الهجرة ، ففي معظم الدول النامية حيث تنعدم الديمقراطية وتغلب عليها التوترات و حالات اللاإستقرار من حروب و نزاعات داخلية ،وتسودالنظم الدكتاتورية ، و تصادر الحريات العامة ، وتكثر الإعتقالات دونما سبب أو محاكمة ، ما يؤديبالشباب كفئة سائدة في تلك المجتمعات إلى الهجرة إلى الخارج ، كما تعتبر بعض الظروف الطارئة كإيقاععقوبات دولية على مجتمع ما من العوامل المسببة للهجرة  .
إلى جانب التوجه للبحث عن الحرية الدينية والسياسية ، وذلك رغبة في الفرار من المعاناة التي تسود في أوطانهم الأصلية.
و من منطلق الشعوربالاضطهاد الديني والسياسي ، واضطراب أحوال الفرد والأسرة ، فالدافع الرئيسي للهجرة هو النجاة من الاضطهاد ،  كما أن من بين الأسباب السياسية التي تؤدي إلى الهجرة الخارجيةأن النجاة من الاضطهاد تشكل دافعاً هاماً للهجرة  خاصة بين الأقليات الدينية  التي تعيش الممارسات العنصرية ، ناهيك عن التضييق على رجال الفكر و المعارضين السياسيين ، فاضطهاد المفكرين  وهجرتهم لها انعكاسات هامة  .( 7 )
و كمثال فلقد تسببت الحروب و النزاعات والتدخل الأجنبي في أجزاء كثيرة من الدول الأفريقية منذ أواخر الثمانينات في عدم الاستقرار السياسي بالمنطقة بكاملها ، مما تسبب في تدهور الأوضاع في كافة مناحي الحياة للشباب الأفريقي الذي لم يجد سوى المغامرة بحياته بطرق مشروعة وغير مشروعة ليحقق نوعاً من الاستقرار والأمن ، فبسبب الاضطرابات السياسية الداخلية المتزايدة ، والنزاعات الخطيرة ، الناشئة بين الدول الأفريقية المجاورة بسبب الحدود والثروات الطبيعية ، هذا ما يمكن تفسيره بالّإرث التاريخي من مخلفات الاستعمار الأوروبي  .
فالاستعمار الأوروبي نهب خيرات دول القارة الأفريقية من موارد طبيعية و بشرية ، ووضع الحدود بين البلدان الأفريقية دون مراعاة الواقع الاجتماعي الأفريقي ، مما أدى إلى  نشوب العديد من النزاعات بين شعوب القارة ، كما قام الاستعمار الأوروبي بعقد العديد من الاتفاقيات الظالمة الغير متكافئة بغية الإبقاء على بلدان أفريقيا في وضعية  تبعية  . 
العوامل الاقتصادية :
 من المنظور الاقتصادي يمكن الإستنتاج بأن العوامل الاقتصادية مفسر أساسي لظاهرة الهجرة ، وأن البعد الاقتصادي يستوجب النظر إلى الظروف الاقتصادية السائدة في مجتمع مصدر المهاجرين مثل البطالة وقلة فرص العمل و غياب التوزيع العادل للثروة .
 وهذا ما ذهب إليه العديد من الباحثين من أن العامل الاقتصادي يعتبر من أهم العوامل الطاردة ، والجاذبة للهجرة فمن أهم العوامل التي يمكن أن تؤثر في شخصأو أسرة و تدفعها لأن تهاجر هو سعيه للحصول على وظيفة أفضل ، و زيادة الدخل و الاستقرار الاجتماعي ، وذلك بالهجرة من المناطق الأقل دخلاً إلى المناطق الأعلى دخلاً .
علاوة على ذلك ، فإن البيانات الخاصة بالحوافز الاقتصادية كشفت عن أنه في كثير من الأحوال تكون الظروف الاقتصادية هي المسبب  الرئيسي للهجرة ، ف التباين في المعيشية للسكان في الدول مصدر المهاجرين من جانب ، والدول المستقبلة من جانب آخر تكون السبب المشجع على تدفقات الهجرة.
رغبة الشباب في تحسين مركزه من الناحية الاقتصادية، أي البحث عن فرص أفضل كانت هي الدافع المسيطر في الهجرة الدولية الحديثة ،قليلاًما تجد من الجماعات أو الأفراد من يشعرون بالرضاء المعقول عن مركزهم الاقتصادي في بلدهم الأصلي .( 8 )
  الفقر الشديد من الأسباب التي تقف وراء الهجرة ، ففي بعض الأحيان تحدث أزمات إقتصادية تؤدي الى  مجاعة أو أوبئة ما يدفع السكان للهجرة من موطنهم الأصلي ، فالعامل الاقتصادي منذ القدم سبب في الحركات البشرية وهجرة السكان ، سواء كانت هجرة داخلية أو خارجية.
و من المعلوم أن انتشار ظاهرة الهجرةغير الشرعيةفي أوساط الشباب لا تقتصر فقط على دول أفريقيا. بل تمتد لتشمل كافة بلدان العالم ، وبالأخص الدول الواقعة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية لأن أغلب هذه البلدان تعاني من ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية ، وتنعدم فيها فرص العمل لدرجة أن الكثير من شباب هذه البلدان يعانون من الإحباط واليأس من عدم الحصول على فرص عمل تكفي متطلبات حياتهم الأساسية ، وهو الأمر الذي يدفعهم إلى البحث عن أي وسيلة تمكنهم من الوصول إلى إحدى دول الشمال الغني حتى لو كلفهم هذا الهدف حياتهم ، وهو ما يحدث فعلياً باسمرار فكثيراً ما نسمع أخباراً عن مصرع المئات أثناء محاولاتهم عبور البحار للوصول إلى إحدى دول العالم المتقدم.
  و عليه فإن الدوافع الاقتصادية من أقوى الأسباب لدى المهاجرين بغية تحسين أحوالهم الاقتصادية ،الأمر الذي ينمي فكرة الهجرة كسبيل للتخلص من ذلك الواقع ، و هجرة الشباب غالباً ما تحدث نتيجة لانعدام العدالة فيتوزيع عادل ومساواة للثروة في مواطنهم الأصلية . ( 9 )
ثانياً / العوامل الجاذبة :
مثلما تعمل عوامل الطرد (الدفع) على طرد الأفراد والجماعات من مناطقهم الأصلية ، كذلك تعمل عوامل الجذب في مناطق الاستقبال على جذب العديد من الأفراد والجماعات للهجرة إليها ، فلا تمثل عوامل الدفع فيمجموعها وبمفردها الأسباب الكلية للتحركات البشرية ، ولكن لابد أن يكون هناك عوامل جذب تشجع السكان على الهجرة ، و العوامل الجاذبة قد تكون حقيقية ،أو حتى مجرد تصور.
 إن عوامل الجذب مرتبطة بالمنطقة والمجتمع المهاجر إليه ، وتكمن في سمة هذا العصر في توفير القدرة على الحركة وسهولة التواصل بين أي منطقة وأخرى في العالم ، نتيجة للتطور الهائل في وسائل الاتصال والمواصلات  .
  كذلك تشير عوامل الجذب إلى كل الظروف التي تجذب المهاجرين بحثاً عن فرص عمل أفضل ، و رغد العيش و رخائه .
كما أن من أهم عوامل الجذب ، والتي غالباً ما تكون من مسببات هجرة الشباب ما يلي :-
- تأثر الفئة الشبانية بالتقدم الحضاري والثقافي الحاصل في الدول المستقبلة، حيث تكون فرص التعليم في جميع المستويات وفي مختلف الميادين متوفرة ،مما يجذب العناصر والفئات التي تسعى للاستقرار في الوسط الاجتماعي المتقدم.
- توافر فرص العمل في مجالات الصناعة والتجارة والخدمات ، حيث يزدهر الوضع الاقتصادي في أي بلد تتوفر فيه الموارد الطبيعية التي تساعد على نشؤ المصانع وتطورها ، وفي مثل هذه البلدان يكون الطلب على الأيدي العاملة وذوي الاختصاصات في ازدياد مستمر، وتبدأ الهجرة عادة بالشباب ثم تتوسع على نطاق العائلات والأقارب .
- المناخ الطبيعي، وذلك أن اعتدال المناخ والمناظر الطبيعية غالباً ما يدفع بالشباب للهجرة طلباً للراحة والاستجمام  ولأسباب صحية ، حيث تتلاءم البيئة الجغرافية والمناخ ودرجة الحرارة مع الحالات المرضية و الفئات المسنة .
الاقتصادية هذه نجد عوامل الجذب السياسية ،حيث إمكانية الحصول على اللجوء السياسي  وأيضاً توفر الحريات وإشاعة روح الأمل والاطمئنان يعد من أهم العوامل الجاذبة للهجرة  .
  إن أهم ما يميز المجتمعات المتقدمة هو وجود هامش كبير من الحرية للأفراد ، حيث إنَ الاستقرار السياسي ، وعدم حدوث الانقلابات العسكرية ، وعدم انتشار الفوضى هي من أهم مميزات هذه المجتمعات ، أما فيما يخص العوامل الاجتماعية والنفسية الجاذبة ، فهناك عدة اعتبارات ذات صلة وثيقة بمستويات الإشباع المادي والمعنوي والقناعة ومستويات الطموح  والتطلع ، فالعوامل الجاذبة كمجموعة ظروف محببة ، أو مرغوب فيها لقدرتها على إشباع الاحتياجات المادية والنفسية ، كما أن المجتمعات الأوروبية لا تعرف القيود الاجتماعية للشعوب الأفريقية التي تتخلص منها الفئة المهاجرة كالعادات والتقاليد  .( 10 )
وأيضاً نجد أهمية عوامل الجذب الجغرافية ، حيث إنَ المناخ الملائم يشكل عامل جذب للهجرة ، وأيضاّ المظهر الطبيعي الممتاز، والتقدم التكنولوجي ، وتحسن وسائل المواصلات.
   وفيما يتعلق بالعوامل الديموغرافية الجاذبة فإن كافة التقارير والإحصاءات السكانية تؤكد على انخفاض معدل الخصوبة في الدول الأوروبية ، وارتفاعها في دول العالم الثالث ، كما أن أكبر تناقص في عدد السكان على مستوى أوروبا يتمثل في إيطاليا وألمانيا ، وهذا ما يؤكد حاجة الدول الأوروبية إلى مزيد من المهاجرين ، ومما ساعد على الهجرة إلى دول الاتحاد الأوروبي أن سكان الدول الأوروبية يعانون من التقدم في السن الناتج عن ارتفاع متوسط العمر  .
وإضافة إلى ما سبق الإشارة إليه من الأسباب التي أدت إلى الهجرة الخارجية في القارة الأفريقية ، فإن هناك عوامل أخرى ساعدت على زيادة وتيرة حركة الهجرة غير الشرعية ، فالتطور العلمي الكبير في وسائل الاتصال ، حيث أصبحت عمليات الاتصال في العصر الحديث من أسرع الوسائل لنقل المعلومات سواء في البر أو في البحر، فلقد لعبت على سبيل المثال هواتف  ( الثر ياء ) دوراً كبيراً في مساعدة المهاجر غير الشرعي ، والوسطاء للترتيب لعملية الهجرة في قلب الصحراء وفي أعماق البحار ،مما أدى إلى تسهيل عملية الهجرة غير الشرعية من دول المصدر إلى دول العبور إلى دول الاستقبال ، وإلى جانب التطور الكبير الذي صاحب وسائل الاتصال ، فقد تطورت أيضاً وسائل المواصلات البرية والبحرية .
وفي هذا الصدد يؤكد العديد من الباحثين أن تحسين وسائل المواصلات والاتصالات السريعة والرخيصة ، يؤدي إلى حب الناس في الانتقال من الأقطار الفقيرة إلى الأقطار الغنية ، وفيما يتعلق بوسائل الاتصالات فإنه يوجد نوعان : -
النوع الأول / وسائل الاتصال الجماهيرية ، وتتضمن المجلات والأفلام وبرامج التلفزيون التي تلعب دوراً في نقل تصورات وأفكاراً عن الأقطار المستقبلة ، حيث إنها ترسل معلومات عن تلك الأقطار.
أما النوع الثاني / فإنه يتمثل في وسائل الاتصال الهاتفية حيث تشجع على الهجرة من خلال الحد من التباعد العاطفي بالنسبة للمهاجرين يجعلهم على اتصال دائم بمجتمعهم الأصلي ، كذلك لعبت شبكة المعلومات الدولية الانترنتدوراً كبيراً في توفير المعلومات.

المحور الثاني:تحديات الهجرة للشباب المهاجر[الدولة الموطن و الدولة المستقبلة]:
1_التحديات بالنسبة للدولة الموطن:  للهجرة المشروعة آثارها السلبية على الأطراف المشاركة فيها ، فهي لها آثارها السلبية على المجتمعات التي انطلقت منها في الجنوب ، لأنها تفرغ هذه المجتمعات من طاقاتها الشابة التي كان من الممكن أن تساعد في البناء والتنمية ، إضافة إلى أنها تشوه صورتها باعتبارها مجتمعات عاجزة عن إشباع حاجات مواطنيها ، كما أن لها آثارها السلبية على المجتمع المستقبل لهذه الهجرة ، لأنها تؤسس على أرضه ، مختلفة في ثقافتها ونعية حياتها ، وإلى أن يتم استيعابها واندماجها فسوف تظل دائما بؤرا للتوتر وعدم الاستقرار الاجتماعي .
2- التحديات بالنسبة للدول المستقبلة : تضيف الهجرة غير الشّرعيّة على المدى القصير ضغوطات على اقتصاد بعض الدول المستقبلة . فهي ترتّب أعباء على الماليّة العامّة نتيجة تكاليف استقبال، وإيواء أو ترحيل المهاجرين. أمّا على صعيد سوق العمل، فتأثير الهجرة على الدُّوَل المستَقبِلة للمهاجرين محدود، باستثناء البعض منها الّذي يعاني أصلًا ارتفاعًا في معدّل البطالة.
تختلف الأرقام بحسب الدّراسات حول تكلفة تدفّق المهاجرين غير الشّرعيّين ، إنمّا هذه التّكلفة هي ضئيلة نسبة لحجم اقتصاد الدول الّتي تستقبِلهم. تتضمّن المصاريف الأوَّليّة تأمين المأكل، والمأوى، وكلفة المدارس، وتعلّم اللّغة، والمساعدات الماليّة الشّهريّة الّتي تبدأ من 10 يورو  للشّخص الواحد الذي يسكن في مراكز الاستقبال وتصل إلى أكثر من 300 يورو للّذين يتمّ إيواؤهم في منازل. تتراوح الكلفة الإجماليّة للمصاريف الأوّليّة خلال السّنة الأولى ما بين 8 و12 ألف يورو لكلّ طالب لجوء.(11)
وفي هذه الحال، تكون الأعباء على الماليّة العامّة مرتفعة نسبيًّا على المدى القصير، لكنّها تنخفض في حال السّماح لطالبي اللّجوء بدخول سوق العمل، أو التّسريع في البتّ بطلباتهم وإعطائِهم صفة لاجئ ثمّ إدخالهم في سوق العمل، وبالتّالي البدء بدفع الضّرائب والمساهمة في الماليّة العامّة.
تختلف الفترة القانونيّة الّتي لا يُسمح خلالها لطالب لجوء لا يزال ينتظر الموافقة على طلبه، أي لم يحصل بعد على صفة لاجئ، بدخول سوق العمل من دولة إلى أخرى. يسمح لطالب اللّجوء في اليونان، والنّروج، والسّويد بدخول سوق العمل بمجرّد تقديم طلب اللجوء، أمّا في النّمسا وألمانيا فهذه الفترة محدّدة بثلاثة أشهر، ترتفع إلى ستّة أشهر في إيطاليا وإسبانيا، وإلى تسعة أشهر في فرنسا، أمّا أقصاها ففي بريطانيا وتشيكيا حيث تبلغ هذه الفترة سنة كاملة.'(12)
وبالتّالي، وبحسب الدّراسة، فإنَّ تأثير اللّاجئين على سوق العمل محدود جدًّا ويمكن للدّول الأوروبّيّة استيعابه، لا بل إنَّ بعض الدُوَل، كألمانيا مثلًا، بحاجة إليه.
يمكن لبعض العوامل أن تزيد من حدّة تأثير اللّاجئين على سوق العمل. العامل الأوَّل هو أنّ الدول الّتي يتركّز فيها تسجيل طلبات اللّاجئين، بخاصّةٍ مع وجود اتفاقيّة "دبلين"(13)

تواجه أوروبا، إضافة إلى مشكلة الشّيخوخة التي تعانيها، معضلة أخرى ناتجة عن تدنّي "معدّل الخصوبة" في مجتمعاتها، ما يؤدّي إلى تناقص عدد السّكّان. الحلّ السّريع الذي تعتمده بعض الدول الأوروبّيّة لحلّ هذه المعضلة هو استقبال المهاجرين، لكنّ البعض يرى في هذا الحلّ تهديدًا لهويّة أوروبا "المسيحيّة".
 
المحور الثالث:علاقة الهجرة والشباب و جدلية العنف:
العنف لدى المهاجرين :
يضرب العنف في العالم كلّه ليس في أوروبا فحسب، والحوادث الإرهابيّة الّتي وقعت مؤخّرًا في أوروبا ليست نتيجة تسلّل الإرهابيّين مع المهاجرين غير الشّرعيّين كما هو شائع، إذ تبيّن أنّ غالبيّة الإرهابيّين هم من المواطنين الأوروبّيّين من الأجيال المتعاقبة لمهاجرين شرعيّين. فالمشكلة إذًا هي في عدم اندماج المهاجرين الشّرعيّين في المجتمعات الأوروبّيّة.
تعرّضت الولايات المتّحدة الأميركيّة في 11 سبتمبر  2001 لهجمات إرهابيّة راح ضحيّتها حوالى 3000 شخص. بدورها، بدءًا من العام 2004، بدأ بعض الدول الأوروبّيّة تتعرّض لهجمات إرهابيّة، وقد سجّل العام 2015 أعلى نسبة منها، وتزامنت هذه الهجمات مع تزايد أعداد المهاجرين غير الشّرعيّين الوافدين إلى أوروبا.
تعرّضت أوروبا لأوّل عمليّة إرهابيّة في 11 مارس 2004، حين تمّ تفجير أربعة قطارات في مدريد عاصمة إسبانيا، ما أدّى إلى مقتل 191 شخصًا، وقد اتّهمت إسبانيا آنذاك تنظيم القاعدة بالحادث.
وكانت العاصمة الفرنسيّة باريس مسرحًا لهجمتين إرهابيّتين في العام 2015 أدّتا إلى مقتل 140 شخصًا، كما أنّ بريطانيا لم تسلم أيضًا من الإرهاب. ففي 2015، قام رجل بطعن ثلاثة أشخاص في قطار الأنفاق في لندن، وقد صنّفت الشّرطة هذه العمليّة على أنّها إرهابيّة. قطار الأنفاق أيضًا كان مسرحًا لأربع هجمات منسّقة نفّذها أربعة انتحاريّين في العام2005، ما أدّى إلى مقتل 52 شخصًا، وقد تبيّن آنذاك أنَّ المنفّذين متعاطفون مع تنظيم القاعدة.
المحور الرابع :انعكاسات الهجرة على الأطراف (المهاجر – الدول المرسلة– الدول المستقبلة) :
سنستعرض من خلال هذا المحور مقاربة لأهم الإنعكاسات و الآثار المترتبة على هذا النوع من الهجرة . حيث سيشمل هذا التحليل توضيح أهم الانعكاسات سواء كانت إيجابية ، أو سلبية على مستوى الفرد ، أو على مستوى الدولة ، وعلاقتها بالدول الأخرى التي لها علاقة بهذه الظاهرة ، سواء كانت دول مصدر أم استقبال أم عبور.
الانعكاسات الإيجابية :  تتمثل أهم نتائج الهجرات بالنسبة للبلاد المهاجر إليها في حصولهم على المزيد من الأيدي العاملة التي تنعش النشاط الصناعي و الاقتصادي بها ، لما تدره ظاهرة الهجرة بنوعيها من كفاءات و أيادي عاملة شابة و بمقدور هذه الدول المستقبلة للمهاجرين من  استغلال الطاقة الإنسانية بطريقة مثمرة ، لأن انتقال الأفراد من جهة لا عمل فيها إلى ميادين تحتاج إلى أيد عاملة ، لا شك أنه يعود بالفائدة على تلك الدول، كما  قد يكون من مزايا الهجرة الخارجية أن يكون المهاجرون ناقلون لثقافات و عادات و تقاليد ، فيعملون على نشر لغاتهم وآدابهم وأفكارهم وتراثهم الثقافي و من ثمة التعريف بذلك .
الانعكاسات السلبية :- حرمان البلاد التي يخرج منها المهاجرون من بعض رؤوس الأموال والأيدي العاملة ومن كفاءة أبنائها ، مما يؤدي إلى ضعف الإنتاج القومي ،و تنعكس الهجرة المتجهة إلى قلب الوطن على بعض النواحي الاستغلالية والاستعمارية ، من جانب انتشار المهاجرين غير الشرعيين فقد تؤثر الهجرة الخارجية على الوحدة القومية و تهدد الثوابت الوطنية للدول المستقبلة على وجه الخصوص .
-        استغلال العناصر النازحة في خدمة أغراض سلبية لأمم أخرى فيأخذون منهم الخونة  والجواسيس  .
-        أن الهجرة الخارجية تؤدي إلى نقص عدد السكان في الريف عن طريق الهجرة إلى الخارج ، وهذا قد يؤثر على الإنتاج الزراعي تأثيراً سيئاً لأن الزراعة تفتقد بذلك الأيدي العاملة التي تحتاج إليها ، ويحدث ذلك إذا كانت البلدان المهاجر منها غير مكتظة بالأيدي العاملة.
-       وبالتالي تتعدد الانعكاسات التي تلقي بأثرها على هذا النوع من الهجرة أي الهجرة غير الشرعية على بلدان المصدر وعلى بلدان العبور وعلى بلدان الاستقبال ، وفيما يلي نلقي نظرة تحليلية على هذه الآثار والانعكاسات على النحو التالي :
-       أولاً / الآثار السياسية :-
تعتبر الآثار السياسية في مقدمة الآثار التي أصبحت تمثل هاجساً مقلقاً لكافة الدول ، فالأخطار التي تكمن وراء تدفق مئات الآلاف من الأفراد بطريقة تتسم بالغموض ، وخارج الأطر القانونية  وخارج المنافذ المحددة لعبور الأشخاص ، تؤثر على العلاقات السياسية.
وبالتالي تشكل هذه الأخطار من جرأ التدفقات البشرية الكبيرة المتمثلة في الهجرة غير الشرعية الأفريقية عبئاً ثقيلاً على دول المصدر وعلى دول العبور وعلى دول الوصول ، متمثلاً في ما يتطلب ذلك من موارد مالية وبشرية ، وبما يشكله تدفق هذه الأعداد التي تختلف في طبيعة شخصيتها وثقافتها ومقاصدها من خطر على الأمن السياسي والاجتماعي والاقتصادي . ( 14 )
إن تدفق آلاف الأفراد بطرق غير شرعية متخذة عدة طرق وأساليب للتحايل على القانون والسلطات السياسية والأمنية ، يمكن أن يكونوا مصدراً حقيقياً لأشكال من الخطر الأمني والصحي لبلدان العبور، وأداة سلبية للعبث بالأمن الطني ، ووسيلة لتهديد الاستقرار، كما أنها يمكن أنتكون وسيلة يسهل اصطيادها وتوظيفها لأهداف أمنية وسياسية معادية ، مما يؤدي إلى دفع العلاقة بين دول المنطقة إلى حالة من التوتر ، وتبادل الاتهامات بشأن التهاون في التعامل مع هذه الظاهرة ،فلقد ارتبطت الهجرة الخارجية بتوتر العلاقات بين الدول ، ومن أمثلة ذلك توتر العلاقات المصرية – العربية ، بعد توقيع مصر اتفاق السلام " كامب ديفيد" مع إسرائيل مباشرة عام 1979ف ، والذي  كان له أثره الكبير في تذبذب حجم الهجرة المصرية العربية خاصة إلى ليبيا التي كانت تعتبر المهجر الطبيعي للمصريين بحكم علاقة الجوار التي تربط بينهما  .ومن العوامل الرئيسية التي تؤثر في حجم الهجرة الخارجية المعاملة التفضيلية للجاليات المختلفة في دول الاستقبال ، وتنتج المعاملة التفضيلية في دول الاستقبال للدول المصدرة للعمالة تقديم الدعم السياسي لجالياتها في الخارج ، وفي مساعدتها في الحصول على أفضل شروط للعمل ، ويتحقق ذلك للجاليات التي تحصل على المعاملة التفضيلية بالطبع على حساب الجاليات الأخرى عادة ، والحصول على معاملة تفضيلية يتحقق على أساس قوة ، وعمق العلاقات السياسية بين الدول المستقبلة للمهاجرين ، والدول المصدرة للعمالة المهاجرة.
وبالنسبة للمعاملة التفضيلية في واقع الهجرة المعاصر الشرعية وغير الشرعية إلى دول الاتحاد الأوروبي ،فتتجه إلى تفضيل العمالة والمهاجرين الأوروبيين خاصة بعد عام 1989ف وتفكك الاتحاد السوفيتي ، حيث بدأت تتجه هجرات واسعة من شرق أوروبا إلى غرب أوروبا . ( 15 )
و توجد العديد من الشواهد التي تؤكد الآثار السياسية ، وما أنتجته من توترات سياسية بين دول القارة الأفريقية بسبب الهجرة ، ففي أوائل عام 1979ف طردت تشاد عدة آلاف من مواطني دولة بنين بدعوى أنهم وفدوا بطرق غير مشروعة ولا يمتثلون للقانون ، وفي عام 1968ف كانت سيراليون قد طردت بعض الرعايا من غانا بدعاوى أنهم يحرمون المواطنين من عمليات الصيد ، ولا يدفعون الضرائب ، وأنهم يسكنون في مساكن سيئة تؤثر على الحركة السياحية.
المحور الخامس:الرؤى و التوقعات المستقبلية المختلفة لهجرة الشباب:
لقد سبق أن بينّا أن الهجرة غير الشرعية تجد مبررّاتها في أسباب بعضها مرتبط بنزعة الإنسان الفطرية نحو الحركة والتنقل من أجل الظفر بمحيط مناسب وظروف مواتية للعيش الكريم.
وقد كفلت عديد المواثيق الدولية والدساتير الوطنية هذا الحق في التنقل من مكان إلى أخر للإقامة أو العمل أو النزهة والفسحة . كما جرّمت بعض القوانين التصرّف الهادف إلى تجميد هذه الحركة بمنع الأشخاص من المغادرة إلى خارج الوطن أو العودة إليه.
كما أنه لا يخفى على أحد حاجة المجتمعات المتقدّمة إقتصاديا إلى اليد العاملة الوافدة لسبين على الأقل :
- أن مواطنيها يستنكفون عن ممارسة بعض أصناف الأعمال التي تعتبر مهينة في نظرهم وماسّة بآعتبارهم مثل العمل لفائدة الغير في مجالات الفلاحة والبناء وحتى بعض الأعمال المرتبطة بالأنشطة الفندقية السياحية.
- أن اليد العاملة الوطنية غير متوفرة بالعدد المطلوب في بعض الأنشطة.
على أن دول القبول تعتمد غالبا سياسات مخططة في طريقة التعاطي مع العمالة الوافدة من خلال ضبط الإحتياجات الوطنية لها حسب القطاعات ونوعية وطبيعة الأنشطة. ( 16 )
وتجدر الإشارة إلى أن سياسات تشغيل اليد العاملة الوافدة تأخذ بعين الإعتبار أيضا أبعادا أخرى قد تبدو بعيدة عن المقتضيات الإقتصادية بعضها سياسي وبعضها حضاري وبعضها الآخر ديني بحيث يفضل بعض المهاجرين على غيرهم . ومثال ذلك أن دول الإتحاد الأوروبي فتحت حدودها للمهاجرين من أوروبا الشرقية بعد انهيار الأنظمة الاشتراكية نظرا لوحدة الدم والجغرافيا والتاريخ والحضارة.
وتبعا لذلك فإن التعاطي مع ملف الهجرة عموما والهجرة السرية خصوصا تغلب عليه المعالجات الأمنية الردعية سواء على مستوى القوانين الوطنية أو الاتفاقيات الدولية, والحال أنه توجد مساحة أخرى مهملة أو متغافل عنها وهي مساحة معالجة ظاهرة الهجرة السرية من مظور أحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان .(17)
بعض الحلول او التوجهات المفترضة:
                إن حل مشكلة الهجرة غير المشروعة لا يتم بعصا سحرية بل يكون نتيجة سياسة وتنسيق دوليين طويلي الامد يأخذان بعين الاعتبار وضع خطط استراتيجية امنية
وقانونية واعلامية لمعالجة هذه الظاهرة، على ان تأخذ هذه الخطة بعين الاعتبار العوامل الآتية:
1 – تولي الوزارات والهيئات المعنية إعداد دراسات وقواعد بيانات للعمالة الوطنية.
2 – تقديم المنظمات الدولية الدعم للحكومات، والمؤسسات البحثية والخبراء في استخدام الادوات المتاحة والبيانات اللازمة للتنبؤ باتجاهات الهجرة والقوى المحركة لها، وذلك بغرض توفير دعم قائم على ادلة لوضع اسس صحيحة لمعالجة هذه الظاهرة.
3 – انشاء شبكات لتبادل الباحثين والعلماء في مجال الهجرة بين دول المنشأ والمقصد، واشراك المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية فيها.
4 –معرفة متطلبات دول المقصد من الخبرات اللازمة لسد النقص في الكفاءات والقطاعات المطلوب عمالة لها.
5 – تعزيز آليات تعاون الفني والامني والقضائي والتشريعي بين دول المصدر ودول المقصد، وفي اطار الاحترام الكامل لحقوق المهاجرين.
6 – تعزيز إمكانيات ضبط الحدود البرية والبحرية لمواجهة جماعات الهجرة غير النظامية على الحدود.
7 – التعاون المشترك بين الوزارات المعنية لتنفيذ مشروع حملات اعلامية لتوعية الشباب بمخاطر الهجرة غير النظامية بهدف الحد من ظهور حالات الهجرة غير النظامية وتقليل مخاطرها والتأثير بصورة ايجابية على اختيارات الشباب لفرص الهجرة وتحقيق فهم افضل لحقائق الهجرة.
8 – ضرورة قيام الحكومة بالاضافة الى القطاع الخاص بتوفير فرص العمل التي هي الهدف الاساسي وراء هجرتهم للخارج من خلال:
زيادة فرص العمل لمواكبة زيادة المشاركين في اسواق العمل، وتطوير مهارات العمالة لمواكبة متطلبات اسواق العمل الاقليمية والعالمية.
تطوير البرامج التعليمية لتعزيز القوة العاملة التنافسية والمتنوعة والمتخصصة، بما يشمل اعادة تقييم التدريب الفني والمهني.
صياغة سياسات التعليم والتوظيف وفقاً للاحتياجات الحالية والمستقبلية لأسواق العمل العربية والوطنية.
وضع خطط حراك عمالة شرعية للشباب ذوي المؤهلات والمهارات المتواضعة وذلك للحد من حالات الهجرة غير النظامية.
9 – التعاون بين الدول العربية كافة كشركاء متكاملين، للتعاطي المجدي مع الهجرة غير النظامية، عبر تعزيز آليات مكافحة عصابات وشبكات تهريب المهاجرين بجهود امنية مشتركة بين الدول المعنية.
10 – تصديق الدول العربية على الاتفاقيات الدولية والعربية الحامية لحقوق الانسان.
11 – تشديد الرقابة على انتهاكات حقوق العمال والحد منها ومعاقبة الخارجين على القانون سواء كانوا من المواطنين او الاجانب وفقاً للنصوص التشريعية المحلية
الخاتمـــــــــة:
تعد ظاهرة الهجرة غير الشرعية  من القضايا المعاصرة و الشائكة  لتعديها أقاليم الدول وحدودها، مما فرض على المنظم الدولي إيجاد حلول تتوافق مع طبيعة الظاهرة في خلق التوازن بين حق الدولة في  حماية إقليمها من الاعتداءات من جهة، واحترام حقوق المهاجرين وان كانوا غير شرعيين باعتبار أن حقهم في الحياة، والسلامة الجسدية مكفول في النصوص الدولية، إلا أن هذه المعادلة لم تتحقق اثر تصاعد الأوضاع السيئة التي تعيشها دول العالم النامية خاصة في ضل تحديات الثورات والنزاعات داخل الدول العربية – الربيع العربي-  ذات الامتداد الجغرافي القريب من الاتحاد الأوربي، هذا الأخير استحدث في إطار الهجرة السرية آليات تكفل المواجهة وتضمن حماية حدوده من خلال سن ترسانة قانونية تجسد إرادة الشعوب والحكومات الأوربية في التصدي للهجرة الصفرية، وانتقاء الهجرة ذات الكفاءات العلمية ، وتوجت هذا السياسة بفتح حدود دول الاتحاد الأوربي داخلياً وعزلها خارجياً من خلال عقد الاتفاقيات واللقاءات التي بلورت ضرورة إنشاء أجهزة أمنية تكفل تحقيق هذه الخيارات،  وتسعى إلى تعقب مسالك ووسائل المهاجرين غير الشرعيين والقضاء عليها.
ولم تبقى دول الاتحاد الأوربي تتعقب المهاجرين السريين في ديارها أو على حدودها ، وإنما فتحت جسور الحوار مع الدول المصدرة للمهاجرين غير الشرعيين بواسطة عقد اجتماعات واتفاقيات تعالج مسألة الهجرة السرية في معاقلها ، ومن أهم الحلول تقديم الاتحاد الأوربي إعانات مالية ، وفتح مشاريع استثمار داخل دول مصدرة المهاجرين السريين، ويبدو أن هذه اللقاءات والإعانات المادية المقدمة من قبل دول أوربا تضمر نوايا خفية تصب في أمننه الهجرة وعسكرتها، وتعكس الاهتمام بالبيت الأوربي من كل الاعتداءات والانتهاكات ، وانتقاء كل من يدخل إليه ، وارتباط عقيدتها بأن دول الطرد أو الدافعة للهجرة خاصة العرب منهم يشكلون حجرة عثر أمام أمنها واستقرارها. فبإجماع الجماعات الأوربية أن كل العرب أصوليين إرهابيين يجب ردعهم وحصرهم في خندق واحد، وبالرجوع إلى سياسات المتبعة من قبل دول جنوب البحر الأبيض المتوسط نجدها للأسف تدعم السياسة الأوربية بدليل سن كل تشريعاتها عقوبات على كل من يريد الانتقال إلى أوربا بصفة غير شرعية، وربما بقاء هذه الظاهرة وزيادة انتشارها يدل على فشل السياسات المتخذة للحد منها.
في ذات الإطار، يمكن اقتراح بعض الحلول التي قد تساهم في تقليص مشاكل وتواجهها بشكل فعال:
   تشديد الحراسة على الحدود البرية والبحرية لمواجهة موجات الهجرة غير الشرعية ، والتركيز على معرفة المهربين وتسليط اشد العقوبات عليهم ،
    العمل على توفير وتعزيز تدريب موظفي الدول المعنيين بقضايا الهجرة للتعرف على وثائق السفر المزورة وتعاون الدول لتوفير الأجهزة الفنية التي تسمح بالكشف المباشر لكل عمليات التزوير الواقعة على وثائق السفر.
 العمل على استقرار البلاد وفتح باب الحوار من أجل تفادي الفوضى والعنف ،
 التأكيد على مبدأ المسؤولية المشتركة والحوار بين الدول المعنية بالهجرة ، والتأكيد على ضرورة التعاون الثنائي والإقليمي، وتفعيل مجالات التعاون الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للتقليص الفجوة،
      وضع حدود واضحة وفاصلة بين حالات اللجوء والهجرة غير الشرعية خاصة من قبل دول الاستقطاب ،
     الاستفادة من شبكة المعلومات في الكشف عن إبعاد الجريمة المنظمة ،
    فتح مجالات أمام الشباب للعمل وإتاحة الفرصة لتحقيق حياة كريمة تخدم قواعد الحد الأدنى لحقوق الإنسان ، الأمر الذي من شأنه أن يقوي ارتباط هؤلاء الشباب بوطنهم ودعم انتماءهم ،
       تنظيم عمليات تملك مراكب الصيد وسفن الركاب وإجراءات رسواها وتشديد الرقابة عليها  خاصة في الدول المصدرة للمهاجرين ،
   إطلاق مبادرات مشتركة بين دول الجوار لمراقبة الحدود المشتركة وتبادل المعلومات في كل المسائل ذات العلاقة بالهجرة غير الشرعية .


قائمة المصادر و المراجع :
-       الاصقر ، أحمد عبد العزيز (2010م) الهجرة غير المشروعة: الانتشار والاشكال والاساليب المتبعة: ورقة قدمت في الندوة العلمية بعنوان " مكافحة الهجرة غير المشروعة" الفترة من 24-26/2/1431هـ الموافق 8-10/2/2010م جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ،الرياض.
-       بوحوش ،عمر (1979م) العمال الجزائريون في فرنسا الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ،الجزائر.
-       جبر، محمد جبر(1996م) بعض المتغيرات الديمغرافية المرتبطة بالأمن النفسي مجلة علم النفس، ع (2) ص80-93.
-       الزواوي، خالد (2004م) البطالة في الوطن العربي: المشكلة والحل، مجموعة النيل العربية ،القاهرة.
-       السرياني، عبد الله سعود (2010م) العلاقة بين الهجرة غير المشروعة وجريمة تهريب البشر والاتجار بهم، ورقة علمية مقدمه في الندوة العالمية بعنوان "مكافحة الهجرة غير المشروعة" جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الفترة من 24-26/2/1431هـ الموافق 8-10/2/2010م ، الرياض.
-       السعيد  عون وعدوان يوسف (2013م) الهجرة غير المشروعة: قراءة أثر وبيولوجية سيكوباتولوجية (فرنسا أنموذجاً) مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، العدد (13) ديسمبر ، ص ص225-234.
-       سلام  أحمد رشاد (2010م) الاخطار الظاهرة والكامنة على الأمن الوطني للهجرة غير المشروعة ورقة قدمت في الندوة العلمية بعنوان "مكافحة الهجرة غير المشروعة" جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، خلال الفترة 24-26/2/1431هـ الموافق 8-10/2/2010م ، الرياض.
-       شروق حسينة (ب.ت) الهجرة غير الشرعية بين الاباحة والتجريم، مجلة الاجتهاد القضائي، العدد الثامن، جامعة محمد خيضر بسكرة،ص66-84.
-       عيد، آمال(2009م) دراسة نفسية للهجرة غير الشرعية واللجوء في ظل نظرية ماسلو للحاجات: مجلة دراسة نفسية وتربوية ، عدد  (3) ديسمبر ص ص153-169.
-       مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية ظاهرة الهجرة غير المشروعة التعريف، الحجم والمواثيق الدولية، الدوافع والاسباب ahram.org.eg.
-       موصار، عبد الحميد (1983م) واقع القوى العاملة المهاجرة إلى أوروبا (العمال الجزائريون) رسالة ماجستير غير منشورة كلية الآداب ، جامعة بغداد.
"ظاهرة الهجرة غير الشرعية، التعريف – الحجم – المواثيق الدولية – الدوافع والأسباب"، منشورة على الرابط التالي:
http://www.Aidiwan.org/News-Action-show-id-357.htm

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة