الشباب و
الظاهرة الجهادية (الاستقطاب ، التطرف ، التجنيد ...)"
مقدمـــــــــة:
تعيش العديد من الدول و
الشعوب حالة من التوتر و القلق الدائمين ، بسبب تزايد حدة التطرف الفكري ، فقد
انتقل من دائرة التنظير عبر المصادر الفكرية ليصبح كائنا موجودا يفرض نفسه كتهديد
حقيق للأمن الفردي و العالمي على حد سواء ، فقد
ألقت الظاهرة الجهادية بظلالها على امن واستقرار العالم بعد أحداث 11
سبتمبر 2001 و ما أعقبها من هجوم للغرب على العالم الإسلامي ، و تناولت الخطابات
الرسمية مفاهيم لأول مرة كالحرب على الإرهاب و التطرف الديني ، و الجهاد ، بعدما
كانت تلك المصطلحات حبيسة الأدبيات الفكرية ما جعل المجتمع الدولي يصطف من أجل
مواجهة هذه التهديدات ، وتباينت الأطر النظرية المحددة لمفهوم الإرهاب ،الجهاد و التطرف بسبب اختلاف الخلفيات
الإيديولوجية المفسرة للظاهرة ، واختلاف
الثقافات من مجتمع لآخر ، ومع تزايد استخدام شبكات التواصل الاجتماعى بشكل مستمر
بين كافة الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية المختلفة وصلت التنظيمات المتطرفة
الى توظيف مواقع التواصل الاجتماعي لنشر سموم التطرف الفكري والديني ، حيث سخرت هذه الجماعات المتطرفة كل الوسائل
المتاحة لأغراضها الدعائية، وصولا إلى نشر ثقافة التطرف و التكفير
، و شن حرب نفسية للتأثير فى الخصوم ، والسعى إلى استقطاب الشباب، للتطوع
فى صفوفها والقتال فى البلدان التى تزايد فيها نشاطها خاصة بعد موجة الربيع العربي
بدءا من سنة 2010 ، و استغلت الحراك
الثوري بثورات موازية و استغلت الخطاب الديني لاستقطاب و تعبئة الصفوف ، وبرز تنظيم
الدولة الإسلامية في العراق و الشام كأهم تنظيم دخل في مواجهة على أكثر من جبهة و
نشاط أكثر دموية وعنفا ، وتبنى العديد من العمليات على أراضي الدول العربية مثل العراق ، سوريا ، ليبيا ، واليمن و تعداه الى دول
أوروبية .
و في هذا المقام لابد من الإقرار أن العديد من الأنشطة
الإجرامية التي تقوم بها تنظيمات متطرفة باسم الدين بعيدة كل البعد عن تعاليم
الدين و تبقى مجرد تبريرات لتلك الممارسات لاعطائها الشرعية و المبررات ، فمن خلال
هذا السلوك يتم الفعل الاجرامي و الإرهابي .
اشكالية الدراسة :
من خلال هذه الورقة البحثية المتعلقة بالشباب و الظاهرة الجهادية
(الاستقطاب ، التطرف ، التجنيد .) نطرح الإشكالية التالية :
-
اذا كانت الظاهرة الجهادية نتاج أفكار متطرفة لدى الشباب فتحولت الى فعل
مادي مرتبط بالعنف و الإرهاب، فهل كل فكر متطرف هو نتيجة حتمية للعنف و الإرهاب
باسم الدين ؟
أهـــــــــــداف
الــــدراســـــــة : تتمحور أهداف الدراسة فيما يلي :
رصد لأبرز
تداعيات الظاهرة الجهادية على الشباب العربي خاصة بعد موجة الربيع العربي ، و
معرفة الدور الذي تقوم به الدوائر السياسية و صناع القرار لمواجهة هذا التهديد باعتبارها تدرك بأنه من
الضروري بناء الأمن في الدولة عبر القضاء على هذا التهديد المركزي الذي يمثل
التحدي الأول ، ومن ناحية أخرى لما يحدثه من تداعيات سلبية على الأمن الوطني .
و بغرض الاجابة على الاشكالية
موضوع الدراسة لا بأس من عرض الفرضيات التالية :
-
الظاهرة الجهادية ظاهرة مركبة ومعقدة وأسبابها كثيرة ومتداخلة ساهمت في إنتاجها بنسب متفاوتة .
-
أسباب التطرف عند الشباب منها ما هو سياسي ومنها ما هو فكري ومنها ما هو
اجتماعي ومنها ما هو اقتصادي أو نفسي أو تربوي .
-
كلما تراجع الدور المسجدي المعتدل تزايد تأثير الخطاب المتطرف من خلال دعاة
التشدد و المغالاة .
-
وسائل الإعلام و شبكات التواصل الاجتماعي أداة هامة للتنظيمات المتطرفة
لتجنيد و تعبئة الفئة الشبانية .
-
لظاهرة التطرف تداعيات تتصل بالعنف
الجسدي بشكل خاص .
و بغية وضع الدراسة في اطارها
الاكاديمي و الفصل في صحة الفرضيات من
عدمه ، وللإجابة عن الإشكالية تتبعنا المنهج التاريخي و المنهج الوصفى بغرض وصف
الظواهر المنتشرة في المجتمع على اعتبار
العنف و التطرف من الظواهر الإجتماعية الخطيرة التي تهدد المجتمع الدولي برمته .
الفصل الاول : الظاهرة
الجهادية .
المبحث الاول : تعريف
الظاهرة الجهادية .
إن تحديد إطار مفاهيمي لموضوع ما يسادعي تأسيس مسلمة بحثية، وتكثيف التصور المرسوم ، و
بالتالي يتضاعف الجدل لاسيما وان الموضوع
يتناول الظاهرة الجهادية ، كنوع حركي من التيارات الجديرة بالدراسة والتحليل ، حيث
أنه يتبنى النزعة العنيفة كآلية للتغيير وفق منهج وقناعة مضبوطة تقوم على التنظير
و التكفير ، نهاية إلى أفعال ميدانية تتسم بالتهديد الأمني للدول ومصالحها
الإقتصادية و مرافقها الحيوية ، وفق قاعدة الولاء و البراء ، بمعنى التبرؤ من
الأنظمة التي لا تطبق الشريعة ، و التي لها علاقات مع الدول الغربية ، و تتخذ هذه
المبررات لإعلان الفعل الجهادي لتغيير البنى المجتمعية و السياسية و الدينية بواسطة "قوة السلاح " ، فمن منطلق
أفكار التيار الجهادي نلمس انطلاقها من
السلفية الحنبلية ، و القراءة –العمومية- للأفكار المتأخرة لـ"سيد قطب "
، فهي تمتاز بالجمع بين الطابع العقدي السلفي و الطابع السياسي القطبي ، كما يظم التيار
العديد من التنظيمات المنبثقة عنه كـ " تنظيم القاعدة ، و الجماعة المسلحة ،
و الجماعة السلفية للدعوة و القتال التي كانت تنشط في الجزائر ، الجماعة الإسلامية
المقاتلة في ليبيا ، و تنظيم الدولة الإسلامية في العراق و الشام ، جماعة الجهاد و
التوحيد في مالي ، الجماعة المغربية المقاتلة في المملكة المغربية .. إلخ " .
يرتبط مصطلح الجهادية بجذور سلفية ، ويكتنفه الكثير من الغموض ، من حيث الدلالات
المعرفية في بيان النشأة و التطور ، كما هو الحال للعديد من المصطلحات ، وفق مسائل
سياسية وعقائدية و معرفية في هذا المجال ، فعند ربطه بالسلفية و التي هي لغة نسبة
الى الجماعة المتقدمين ، كما في لسان العرب "لابن منظور " ، أما المفهوم
الديني الشائع للسلفية و المستقر نسبيا هو دعوة للاقتداء بالسلف الصالح نموذجا و
قدوة ، و هم الأهل القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الأمة الاسلامية ، فالتطور
التاريخي ساهم في توليد سلفيات متعددة تتباين وفق القضايا و المسائل التي تتبناها
، وتختلف في درجات التشدد و الاعتدال من ناحية العبادات و المعاملات ، كم افي
المقاصد و في الوسائل .
و يتلقى
التيار الجهادي في السلفية مرجعياته الفكرية من منطلق :
-
فكرة الجهاد العالمي : انطلاقا من فكرة " سيد قطب
" في ان المجتمعات البشرية تعيش في جاهلية كالتي سبقت عصر الإسلام ، من خلال تصورات الناس و عاداتهم و تقاليدهم ،
شرائعهم وقوانينهم ، و هذا يقوم على الإعتدال و السوية في السلطة المستمدة من
الإرادة الإلهية ، فهي تستمد حاكمية عكس الطبيعة التي نزلت بها الشريعة ، فأسندت
حاكميتها للبشر جاعلة منهم أربابا بعضهم على بعض ، كما كان حاصلا فيما سبق ولأن
الخطوة الأولى لتجاوز الجاهلية هي تطبيق الشريعة الإسلامية، دعا "سيد قطب"
إلى تغيير هذا الواقع الجاهلي من أساسه وإزالة الطواغيت كلهم من الأرضو”تحطيم
الأنظمة السياسية الحاكمة.
-
ولتحقيق ذلك، اعتبر أن “الجهاد ضرورة للدعوة”.
موضحاً أن حماية “دار الإسلام” ليست هي الغاية الأخيرة لحركة الجهاد الإسلامي .
-
فتوى أهل ماردين : كتبرير لقتال الحكام: يؤمن التيار
الجهدي بقتال الحكام ، مستندة على تفسير فتوى ابن تيمية الشهيرة في أهل ماردين أو
ب"فتوى التتار" ، وهذا ما يناقض فكر ابن تيمية بعدم جواز الخروج على
الحاكم المسلم " من منطلق ضرورة الصبر على جور الأئمة " .
أما عن الأصول الفكرية لهذا
التيار فهي مستمدة من قواعد و خلفيات
تتضمنها :
-
قاعدة التترس :وهي الحالات التي يشرع فيها القتل حسب
الجماعات الجهادية ، تستند اليها التنظيماتالجهادية
المختلفة إلى: أنه وجب قتل المسلم إذا تترس به الكافر أي تحصن واستند
إليه ، كأساس شرعي لتبرير بعض العمليات العسكرية ، غير انه من العلماء من يرى ان
هذا التبرير غير صحيح للاتي: أولا: أن التترس لا يكون إلا في حاله الحرب اي
الاشتباك العسكري، ثانيا:أن من أباحه جعل له شروط لا تنطبق على هذه العمليات و أن
تكون المصلحة منه: ضرورية اى لا يحصل الوصول إلى الكفار إلا بقتل الترس .
-
وجوب قتال غير المسلم :كما تستند التيارات
الجهادية بتنظيماتها المختلفه الى المذهب القائل أن الإسلام
أوجب قتال غير المسلمين وغزو العالم لنشر الدعوة ، غير انه يربطه بشرط قيام دوله
الخلافة ، غير ان كثير من العلماء يرى ان هذا المذهب مبني على أخذ مذاهب الفقهاء
الذين بنوا اجتهادهم على واقعهم، وهو واقع الدولة غير ثابتة الحدود متعددة الشعوب
والقبائل، دون مراعاة الواقع، واقع اكتمال تكوين الأمم وانتهاء طور القبيلة، وما
أفرزه من الدولة ثابتة الحدود والشعب الواحد، ويدل على هذا أن هناك علماء خالفوا
ما قرره هؤلاء الفقهاء، فنجد ابن تيمية يخالف الرأي القائل بقتال الجميع لمجرد
الكفر وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد ومقصوده أن يكون الدين كله لله وأن
تكون كلمة الله هي العليا، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة- كالنساء
والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن وغيرهم- فلا يقتل عند جمهور
العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله.
-
الولاء والبراء :معناه محبة المؤمنين
وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم ، وتعد هذه القاعدة احد اسباب تكفير الحكام
العرب والخروج عليهم لان الجماعات الجهادية اعتبرهم موالين للكفار.
المبحث
الثاني : نشاة و انتشار الظاهرة الجهادية في أوساط الشباب العربي .
مرّت الجماعات
الجهادية بعدة مراحل حتى وصلت إلى الحالة الراهنة من عولمة الصراع والصدام
العالمية وأيديولوجيا القاعدة الحالية، إلى أربع مراحل زمنية:
المرحلة الأولى : تكونت
خلال فترة الجهاد الأفغاني في ظل نظام ثنائي القطبية، و هي المرحلة التي تشكّلت
فيها حركات الإسلام المسلّح، في بعدها عبر القومي أو القطري، ونتج عن هذه الحقبة
ظاهرة “الأفغان العرب”، التي شكّلت نواة لتشكل خلايا ومجموعات أوسع وأكثر انتشاراً
لاحقاً.
المرحلة الثانية :هي التي
شهدت انهيار الاتحاد السوفياتي وتشكل معالم نظام أحادي القطبية، وبروز مقولات صدام
الحضارات ونهاية التاريخ، وما أدت إليه من أحداث إقليمية كحرب الخليج في العام
1991، التي عززت من تشكيل الظروف المناسبة لصعود “السلفية الجهادية” في عدة أنحاء
من العالم.
المرحلة الثالثة :شكلت تحولاً
تاريخياً في استراتيجية “السلفية الجهادية” تمثّل في الانتقال من “قتال العدو
القريب” (الحكومات والنظم العربية) إلى “العدو البعيد” (الولايات المتحدة
الأميركية ، وحلفائها )، وهو التحول الذي يفسره البعضبفشل هذه الجماعات في
صراعاتها المحلية مع حكوماتها، مما أثر على شعبيتها لدى الرأي العام المحلي .
أدت هذه الاستراتيجية، التي رسّخها
لاحقاً منتسبو التنظيماتالجهادية تحت شعار قتال اليهود والصليبيين والأميركان” في
العام 1997، وتصريحها باستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية في أنحاء العالم،
ضمن الحرب الكبرى بين “السلفية الجهادية” (التي تعتبر نفسها ممثّلاً للإسلام
الشرعي) والقوى الدولية الكبرى، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية إلى جملة من
العمليات التي نفّذتها مجموعات فيما بعد، واستهدفت فيها مصالح أميركية وعربية
وغربية متحالفة معها، إلى أن وقعت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، التي مثّلت
نقطة تحول في بنية وخطاب القاعدة من جهة ونمط العلاقات الدولية من جهة أخرى، وقادت
إلى المرحلة الرابعة من تحولات السلفية الجهادية.
المرحلة الرابعة : تمثّل المخرج الرئيس للتحوّل في
استراتيجية الجماعات الجهادية في الصدام
مع “العدو البعيد –المصالح الغربية ، وتحمل في طيّاتها تداعيات أحداث الحادي عشر
من سبتمبر 2001، وما حملت من تغييرات على بنية التنظيمات واستراتيجيتها، وكذلك على
الاستراتيجيات الأميركية، وما أدت إليه من حروب .
المبحث
الثالث : الظاهرة الجهادية في الادبيات الغربية و العربية .
أ-الظاهرة الجهادية في الأدبيات الغربية :
يقر الباحثون في شأن الظاهرة الأصولية أن الفيلسوف الفرنسي "جيل كيبل "قد أثبت أنه أنضج
باحث غربيقامبتقديم توصيف و تحليل للظاهرة الأصولية المتطرفة– وفق مطلقاته
وقناعاته - ولهذا السبب سيطر على الساحة الثقافية والإعلامية خاصة بعد هجومات باريس
، بسبب تخصصه في الحركات الدينية ليس فقط داخل فرنسا وإنما خارجها أيضا ، فنزعته
"النيواستشراقية " من خلال كتابه الأول عن مصر والجماعات الإخوانية
والإسلاموية: "النبي والفرعون" الذي اشتهر به ، ثم عدة كتب متلاحقة لا
تقل أهمية عن الدراسات السوسيولوجية: كـ"الجهاد"، و"ضواحي الإسلام"
، " ولادة دين جديد في فرنسا" و"الفتنة
الكبرى" ، " حرب في قلب الإسلام و القاعدة في نصوصها " .
و بالنسبة لتحليلات الباحثين الغربيين الآخرين فقد أثبتت فقدان البريق الإعلامي
و حتى فشلها الذريع في اقناع صانع القرار بتفسير ما حصل لفرنسا عشية ذات الثالث
عشر منشهر نوفمبر2015 ، هذا ما يعطي المبرراتلتجلي الفرق الواضحبين الباحث جيل
كيبر الذي أثبتتخصصه بالموضوع، و ضعف طرح الباحثينالغير عارفين بالموضوع معرفة دقيقة أو معمقة ، ف "جيل كيبل"
لم يكتف بإعطاء المقابلات التلفزيونية
وصفحات الجرائد بصفته الخبير و المحلل السياسي تارة ، و المفكر المستشرق تارة أخرى
، حيث عرف عنه إتقانه للغة العربية ، فقد أصدر كتابا ضخما بعنوان «شبح الرعب يخيم
على فرنسا» (منشورات «غاليمار».. أكثر من 350 صفحة) .
و يفسر مضمون الكتاب الخوف الذي
بات يخيم على فرنسا ، و يكرس للإسلاموفوبيا ، ويبرر المناداة إلىالتعجيل بإصلاحات
حقيقية لتنتهي التهديدات الأصولية وتتلاشى ، فهناك أسباب داخلية وأسباب خارجية لموجة التطرف،
وميزة جيل كيبل أنه لا يهمل إطلاقا
الأسباب الداخلية لانفجار العنف الأصولي داخل فرنسا وضدها، وموقفه هذا يستحق
التنويه والتقدير لأنه يتناقض كليا مع التفسيرات اليمينية الطائفية والعنصرية
لظاهرة التطرف الديني ، من منطلقات تنويرية، سوسيولوجية،فخلفية"جيلكيبل"اليساريةأثناء
حياتهالعلمية والنضالية،جعلته يشذ عن تحليلات اليسار المتطرف– الأكثر مراهقة - ، لأنه
ظل مفكرا عقلانيا تنويريا يأخذ مسألة العدالة الاجتماعية والتضامن الإنساني بعين
الاعتبار.
من جهة أخرى يعرض الخبير " ريني لوراي " رؤية الإتحادالأوروربي
لتنامي التهديدات التي تولدها التيارات الجهادية ،القادمة من الجنوب المتوسط ،
موضحا سعي المجموعة الأوروبية لاعادة تشكيل المشهد السياسي في الجنوب ، بعد تلاشي
أمال الثورات و طموحات قيام دولة القانون ، ويبرز تداعيات ظاهرة الهجرة غير
الشرعية القادمة من الجنوب ، فمنذ قيام الاتحاد الأوروبي بانشاء آلية دبلوماسية
ضمن " اتفاق برشلونة" ، مكن ذلك من الاعتماد على وسائل ذاتية لاستقاء
المعلومة و تحليلها ، ضمن مراكز البحث و الرقابة البحرية الذي يقوم بمراقبة حركة و
تنقل المهاجرين ، وأكد " لوراي" الذي سبق و أن عمل مستشارا للاتحاد
الأوروبي صعود و تنامي تهديدات الحركات و الجماعات الاسلامية بعد انهيار الأنظمة
الحليفة للاتحاد الأوروبي ، هذا ما دفع بالاتحاد الأوروبي الى السعي لرسم معالم
المرحلة القادمة ، ضمن أجندات وطنية وأخرى إقليمية .
أ-الظاهرة الجهادية في الأدبيات العربية :
تمتاز الدراسات الأكاديمية للظاهرة
الجهادية بندرتها و قلتها ، من وجهة الطرح السوسيولوجيلأنها تميل إلى الجانب
التأصيلي أكثر من الأكاديمي الموضوعي ، لكن أبرز الاعمال التي يمكن أن حاولت
مقاربة الظاهرة الجهادية ، لكن من وجهة نظر سوسيولوجية كتاب " السلفية
الجهادية ، الواقع و المآلات ، للكاتب محمد الحاج سالم ، أين تناول فيه تداعيات
الثورة التونسية على المسائل العقائدية في تونس ، وتراجع الوصاية الدينية للدولة
على المجتمع ، ما ولد ثقافة دينية جديدة انبثقت عنها " السلفية الجهادية
" .
حيث يضم
الكتاب مجموعة من البحوث و المقالات منها : دراسة سامي براهم بعنوان " من أجل
مقاربة نفسية اجتماعية للظاهرة السلفية في تونس " ، فنجد الكاتب حاول دراسة
مقومات الحركة السلفية في تونس في الاستقطاب و التأثير ، أما الدراسة الثانية فهو كتاب "أكرم حجازي
" المعنون ب" رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية ، تنظيم القاعدة نموذجا
" ، خيث يسلط فيه الكاتب الضوء على تاريخ التيار و أسباب تعاظمه . دراسة أخرى
للكاتب " عادل بالحاج رحومة " بعنوان " التدين الشبابي بحثا عن
معنى الهوية الذاتية. (8)، يتناول فيه الكاتب التدين
الشبابي في أبعاده الإجتماعية و الثقافية
، متناولا الاستراتيجيات التي يتخذها التيار السلفي في الاستقطاب و التغيير .
المبحث الرابع : سبل التصدي للظاهرة الجهادية .
تكمن المشكلة الجوهرية في علاقة الشباب بالتطرف و التأثر بالظاهرة الجهادية
في فقدان ثقة الفئة الشبانية بحكوماتهم ، و الغربة الإجتماعية بسبب غياب التكفل
الفعلي و التام بهذه الفئة لاسيما من يعيشون ظروفا اقتصادية هشة ، فتجدهم لقمة
سائغة في أيدي مجموعات التجنيد التي تلقي بهم في بيادق الانحراف و التطرف ، بعد
زرع المفاهيم الخاطئة عن الدين و شحذ الكراهية تجاه المجتمعات و الدول الغربية ،
إن قضايا العنف و التطرف الديني في العلم الإسلامي معقدة ، فمعظم الشباب المجند في
صفوف تلك الجماعات المتطرفة ، دافعهم تصوري
فهم يعتبرون أنفسهم جماعة عقدية متحدة ، في شكل تضامني و بشكل يميل الى
البدائية ، هذا ما يفسر سهولة تجنيد الشباب خاصة المتصل بالقرابة العائلية ، أو
الزمالة في شتى النواحي و الميادين ، فمعظم المجندين لفائدة التنظيمات المذكورة
خارج الإطار المسجدي ، الذي أصبح تأثيره باهتا و غائبا على قضايا المجتمع .
وبعث صياغة البرامج التعليمية
والثقافة الشبابية بهدف التركيز على تعزيز ثقافة التعددية والتنوع والتعايش السلمي
بين اطياف المجتمع ،التعامل المناسب مع ما
ينشر في صفحات مواقع التواصل الإجتماعيلغرض مواجهة الأفكار المنحرفة و المتطرفة ،
ومحاربتها بمواد إعلامية مناسبة مدعومة
وبنفس قوة وتأثير المنشورات المتطرفة والحد من إنتشارها ،التكفلبالشباب العائد من
صفوف تلك الجماعات المتطرفة لغرض توجيههم و ترشيدهم في الإتجاه الصحيح ،احتضان الشباب كفئة
المستهدفة من قبل أيادي التطرف الفكري، والعمل على إبعادهم عن هذه الجماعات .
و من جهة فضرورة انصاف المسلمين و الاسلام من تهم التطرف و الارهاب ،
وابراز تعاليمه السمحة و أنه دين سلام ورحمة ، وتبيان رفض مضامين الاسلام الرافضة
للتشدد و الغلو و الاعتداء على الآخرين ، و ابراز الوجه الحضاري المشرق للأمة
الإسلامية ، وتقصي الحقائق التاريخية و استعادة القيم الفكرية و العادات و
التقاليد وفق ما ينفع البشرية على وجه المعمورة .
الفصل الثاني : التطرف
الفكري .
إن فهم كلمة
التطرف من زاوية التحليل المفاهيمي صعب للغاية ،فالموضوع يطرح حساسية كبيرة جدا
لدى الباحثين الشباب لأن الفهم يعتبر بحثا عن الأعذار ، فالمتطرف ضمنيا موجود في
الطرف الآخر ، للعقل و العقلانية ، لذلك ففي الفرنسية عندما نتحدث عن الــــ : radicalisme ، فيلقى هذا المفهوم
قبولنا لدينا نحن العرب ، في حين ننفر من مصطلح التطرف ، فالتفكير الراديكالي ميزة الباحثين و السوسيولوجيين و
كذا الفلاسفة ، انطلاقا من مفهوم ديكارت " في مقالة في المنهج " discours de
la méthode ، على المفكر ألا يقف في منتصف الطريق بل عليه
الذهاب الى الطرف الأخر من الطريق حتى و إن كان هذا الطريق خاطئا ، c’est
l’extrémisme ،c’est le radicalisme ، و لكن عندما نمر الى الشق الاجتماعي فسننتقل الى شيء آخر ،
فالموضوع بصعوبة بمكان ، فمعالجة مبدأ الراديكالية الدينية ، فلا بد من التجرد من
مبدأي الضحية و المضحي ، فالأولى تحتوي عناصر من الأبرياء الضحايا الموتى فسنميل
الى تجريم الفعل من عدة مقاربات ففي القانونية نميل الى تجريم الفاعل و ادانته ،
سنلقي الصفة الإرهابية من منطلق المقاربة الأمنية ، و اضفاء صفة العلة المرضية من منطلق المقاربة
النفسية ، و اضفاء صفة التهميش الإقتصادي و الحاجة المادية و البطالة للفاعل الراديكالي في المقاربة الإقتصادية ، هذا ما يفسر القصور
المعرفي للتعامل مع هذا المفهوم .
المبحث الاول : نشأة التطرف
الفكري و أسباب ظهوره .
تلقي النزعة
الراديكالية- التطرف – بضلالها على كل مفكر أو فيلسوف ، و بغية معالجة التساؤلات القائمة حول التطرف ، لا
بد من معالجة الظاهرة من منطلق سوسيولوجي
، فالتعامل مع التطرف الديني يجب النظر اليه من منظرو ديني ، فالتوصيف الذي أعطاه
المفكر الفرنسي كيبل ، و الذي أعطى التوصيف الخاص بالظاهرة – العنف – مصدره عربي
اسلامي ، لأن منتسبي الفكر المتطرف وفاعلو العنف القاتل يعطون صفة الجهاديين على أنفسهم بتوصيف يكتنفه
العنف الديني فعلا و قولا ، فالجهادية الدينية المتطرفة ، توصيف أعطى تبرير
تسميتها كيبل من منطلق الجهاديزم ، و تلك حجته في معالجة الظاهرة فهي تتغذى و
تتأثر بالسلفية و السلفية تتغذى بالوهابية ، والوهابية تتغذى بفكر ابن تيمية ، و
ابن الجوزية و ابن تيمية وهاذين الأخيرين يتلقيان ابن حنبل و ابن حنبل يتأثر
بتأويل محدد من النص الديني القرآني ، و مؤدى هذه السلسلة و الرابطة مؤداها هو
انتاج خلاصة كبرى بارساء مرتبط علىي و ما هو سببي بين العنف و التطرف القاتل ، و
منه فجيل كيبل يطرح بقناعة وبقوة منطلقاته الفكرية ، فأطروحته في ذلك اذا أريد
استئصال الظاهرة فسيكون ذلك بصد الاسلام وانتزاع كل ما له صلة بالدين الاسلامي في
الأراضي الأوروبية.
المبحث الثاني :استقطاب
التنظيمات الجهادية لفئة الشباب المتطرف
لكل تنظيم مهما كانت طبيعته : دينية أو سياسية
منهجيته في تركيب نسيج اجتماعي ، وفق آليات متعددة ، فالتيار الجهادي يعمل على
استقطاب الفئة الشبانية وفق الأساليب التالية
:
1-القدرة على الفبركة:
انطلقنا من هذه الاستراتيجية على
اعتبارها الأساس الذي يرتكز عليها الفكر المتطرف فهويفسر وفق مقاصد و أهواء شخصية
كوسيلة لتصفية الحسابات و تبرير الأفعال ، فيستعمل منتسبو الجماعات المتطرفة الدين
غطاءالإعطاء أفعالهمالمشروعية اللازمة . كأن يتم قتل فرد أمني أو عسكري تحت غطاء
ديني و هو ” محاربة الطاغوت” في حين أن السبب الأساسي وراء ذلك تصفية حسابات ماضية
انطلاقا من تجربة سابقة كفترة محكومية سجن ، علما أن السوابق العدلية لمنتسبي
الفكر المتطرف واضحة وجلية ، تحت غطاء ديني " نصرة للدين" كما يتم
الاعتماد على الفبركة لإلغاء الرأي المعارض ، كما تم الاعتداء على العديد من أئمة
فوق المنابر من طرف منتسبي التيار المتشدد ، فتعتمد هذه الفبركة وفق آليات محكمة
منها إخراج الآيات القرآنية من سياقها أو الوقوف عند ظاهر الآية دون التعمق فيها
أو الجهل بالتاريخ الإسلامي ، أو التركيز على آيات دون أخرى حتى أننا نجد أن بعض
شباب ” التيار الجهادية ” لا يحفظون إلا آيات الجهاد ، و كدليل على فبركة يتم
الصاقهابالدين فقد رأينا ” الجرائم “المرتكبة في سوريا و العراق من ذبح للصحفيين و
تهجيرا لأتباع الديانات الأخرى و ترتكب هذه الجرائم تحت ذريعة القصاص أو الثأر.
فمن خلال هذه الفبركة يكون الدين غطاءا لأعمال مخالفة للدين الإسلامي تماما فالدين
الغطاء الذي يضفي المشروعية على أعمال العديد من فاعلي الشباب السلفي لا سيما أنه
يحتل مكانة بارزة في نفوس المسلمين.
2-إستراتيجية الوصمة:
الوصمة وهي وسيلة لمواجهة الخصوم
وإقصائهم والوصمة حسب ايرفينغغوفمان هي “علاقة التدني التي تجرد الفرد من أهلية
القبول الاجتماعي الكامل. وتكون الوصمة إما جسمية أو نفسية أو عقلية أو اجتماعية
فتجعل الفرد مرفوضا اجتماعيا.”
و بالنسبة للشباب المنتمي للتيار
المتشدد فوسيلة إقصاء الخصم والمخالف
للرأي وصمه ب "الكفر" أو "الردة" أو "العلمانية" أو"الالحاد".
وتعود أسباب ذلك إلى ضعف الحجة لدى العديد
من منتسبي الحركة السلفية وعدم القدرة على الإقناع والمواجهة الفكرية فتكون الوصمة
الحل الأمثل للخروج من هذا المأزق. أما السبب الأخر فيعود إلى التشبث بالرأي ورفض
الرأي المخالفمن قبل العديد من فاعلي الحركة السلفية وخاصة فئة الشباب، فوفق
الشباب المتشدد كل تراجع عن مبدأ يعتبر مهادنة أو استسلاما أو اعترافا بالخطأ
فيلتجئون الوصمة لتبرير أفكار تتميز بالدوغمائية.
3-القدرة
على التبرير:
التبرير من بين أهم الوسائل التي
تنتهجها الحركة المتشددة داخل المجتمع و تشمل الدعوة والتعبئة والإعلام فالخطاب
والسلوكات التي يراد تبريرها وهذا التبرير يكون إما عن طريق الدعوة عبر المنابر
الدعوية التي تقام. أم اجتماعات شعبية في الشوارع والمدن أو عبر ناشطين يقومون
بتوزيع المناشير وهي في الغالب تحمل بآيات
وأحاديث نبوية يقصد بها تبرير الفكر المتشدد كأهمية الجهاد مثلا .
4-القدرة
على التأثير:
وإن كانذلك غير ظاهرة للعيان إلا أن
القدرة على التأثير فعالة في استقطاب
الفئات الشبابية ، حيث يكون التأثير عبر تنظيمات مختلفة ذات توجهات دينية خيرية تقوم بمنحالاعانات الاجتماعية على الفئات الفقيرة
كالمواد الغذائية و المساعدات العينية ، وتكون هذه الحملات التي تهدف أساسا إلى تحسين
“الصورة السلبية” التي يحملها العديد على منتسبيالفكر المتشدد والتعريف بالمبادئ
الكبرى للتيار الديني مرفقة بأناشيد دينية مواضيعها عادة الجهاد والدعوة إلى
التوبة وغيرها. وهي أنشطةفعالة في التأثير والاستقطاب. يمرر عبرها هذا التيار رسالة خفية إلى
الفاعلين الشباب ليعتنقوا المذهب المتشدد كبديل مثالي للواقع .
5-مبدأ التوريث:
لضمان الاستمرارية و التواجد يحتاج
التيار المتشدد إلى توريث مبادئه و أفكاره إلى الأجيال اللاحقةمنهم خاصة الشباب و الأجيال
الصاعدة حتى لا تندثر تلك الأفكار ، و يتم
ذلك عبر المؤسسات التيتنضوي تحت لوائه كالمدارس القرآنية و المراكز الدعوية
التربوية ، غير أن الكثير منها يتخذ ذلك مجرد شعارات للتظليل فهذه المؤسسات
تتولى تربية الأطفال على الفكر المتطرف و الغلو الديني .
المبحث
الثالث :آثار التطرف
على الشباب .
بالنظر لمفهوم الشباب نجد انه يعتبر
مفهوما إشكاليا و غامضا ، فمفهوم السباب يمتاز بعدم الثبات فهو مفهوم يتسم بالديناميكية ، و التحول فهناك من ينفي وجود
فئة الشباب اصلا ، فمنهم من اعتبرها مجرد لفظ ، فبالنسبة لبعض السوسيولوجيين فإن
اعتلاء المسؤولية الاسرية على وجه الخصوص من اعباء مالية و اجتماعية كفيل بخروج
الشاب من حياة اللامبالاة الى المسؤولية ، و بما أن الوضوع مرتبط بعلاقة الشباب
بالظاهرة الجهادية .
و بما أن موضوع بحثنا يرتكز على
الشباب وعلاقته بالظاهرة الجهادية ، فإننا سنحدد هذه الفئة انطلاقا من فكرة تحديد مؤثرات فئة الشباب ، و بذلك
ستكون هذه الفئة هي المعنية بها بحثنا ، فمجموعة الفاعلين من الفئات الشبابية
الذين يتبنون الفكر المتطرف . وهم مجموعات
تجمع بينهم عدة خصائص مظهرية و سلوكية يشتركون في هدف واحد و هو التغيير الاجتماعي
وتطبيق الشريعة الإسلامية باليات مختلفة مثل “الجهاد” و”الدعوة ” ويتخذون في ذالك استراتجيات
مختلفة للتغيير. و يتفرد السلفيون الجهاديون على عامة الفاعلين في
المجتمع بمظهر خاص .
لقد ألقت الظاهرة الجهادية بظلالها
على سلوك الشباب في العالم العربي لهشاشة
هذه الفئة وسهولة اقناعها بافكار التجنيد في صفوف تلك الجماعات المتطرفة ، ويبرز
هذا الطرح بقوة بسبب أن المجتمع المعاصر يعيش تحت سطوة الأفكار الدينية المنحرفة ،
فأضحى الشباب مجرد اسير في زنزانة شيدها علماء الافكار الجهادية فاضحت حياتهم
مغلقة وعنيفة فان دراسة العلاقة بين
التطرف و الدين و تزايد انخراط الشباب في التيارات المتطرفة خاصة بعد 2011 ، يقتضي
على الباحث دراسة يومية للظواهر من جانب المراقبة والتسجيل الإثنوغرافي ، مما يمكن
الباحث من معايشة الظاهرة عن قرب فيملك بذلك الإمكانية من دراسة العينات فهناك
دراسات سابقة في هذا السياق ، فالهوية والنسق القيمي لا ينفكان عن التماسك
الاجتماعي، فجيل الانتنيت لم ينفك ان يتحرر من هذا العالم الافتراضي ، أين يوظف
ادراكه التقليدي للدين و يمزجه بالنتائج المستحدثة لخلق تصور اجتماعي قائم على
تقديس استعمال العنف ضد المجتمع و يتمكن من خلق عالم يعد متأصلا بفرض العنف و
التطرف ، فتصبح الظاهرة الدينية نظرية جاذبة في عالم يتميز بالقابلية للتوسع و
يتحرر من التماسك الاجتماعي الديني على افاق عالمية ، ت نتهي بخلاصة ديمومة صناعة
أجيال التطرف الديني و الفكري ضمن اجيال من اللاواعين وفق تصورات و سلوكات تتنكر
للجماعات و الأفراد المحيطين تحت ذريعة الكفر و الردة .
المبحث
االرابع : آليات
مواجهة و علاج ظاهرة التطرف الديني و الفكري لدى الشباب .
تسعى دوائر
التنظير الى مرافقة صانع القرار الى كيفية مواجهة و التصدي للتطرف الديني ، فاضحى
مظهر العنف لا تفسير له سوى ربط سببي بالتطرف الديني ، للاديان السماوية مواقف
مختلفة من التشدد و العنف ، فالدين المسيحي خاض حروبا صليبية باسم الدين بنزعة
الغائية للآخر ، و النص الديني الاسلامي نص معتدل لا يناصر الاعتداء على الآخرين إلا بالحق ، أي لرد العدوان ، فالممارسات تختلف وفق الظروف التاريخية التي
تمليها دواعي اجتماعية و تاريخية وسياسية
، فأصل المشكلة هو استغلال الدين سياسيا و الاختلاف في تفسير مقاصده ، هذا
لا ينفي دور الحركات الأصولية و دور التيار الجهادي الذي غذى ظاهرة الارهاب ،
و الخلفية الاعمق هي النظم العربية الفاشلة عن الجمع بين الرفاه و
الديمقراطية.
مواجهة التطرف لا تكتمل إلا بالتكامل شرقا و
غربا ، بالجمع بين السياسات العامة و الجزئية، فالدول العربية تجد صعوبة في
التعاون ضد الجماعات المتطرفة ، لاعتبارات مصلحية وداخلية ، فمواجهة التطرف تتطلب
التعاون و التنسيق ، وقيام النظم العربية
بالاصلاحات اللازمة على الصعيد الداخلي ، وتكثيف التعاون الامني و العسكري ، وتبني
قيام دولة القانون و المساواة في المواطنة و اطلاق المجال للحريات العامة ، وحرية
التعبير ، وتكثيف العناية بالاصلاح التربوي ، و المناهج التعليمية.
فالعنصر المساعد على استتباب الامن و مواجهة
التطرف هو التكاتف لحل القضايا المصيرية المشتركة بعيدا عن النزعات الذاة .
الخاتمة
ان الهدف من هذه
الورقة البحثية هو وضع الاطار المفاهيمي ،
للحركات الاجتماعية الراهنة ، وبخاصة التجارب الامة التي مرت بها المجتمعات العربية ، خاصة منها تلك التي تميل نزعتها الى
العنف تحت غطاء ديني ، لكن في ثناياها تحقيق اهداف اقتصادية و سياسية ، فالظاهرة
الجهادية او التطرف الديني ظاهرة مثيرة للجدل ،
خاصة وأن تأثيراتها تلقي بظلها على فئة هشة و قابلة للتأثر و هي فئة الشباب
، فهم الفئة الغالبة من الفاعلين
الأساسيين للفعل المتطرف ، فتلك الفئة التي ضاقت بها السبل ستلجأ للحاضنة الدينية
المتطرفة ، لرد الاعتبار للذاة المهمشة و المحطمة ، فلجوء الشباب الى الملاذ الديني من منطلق
الفرق الناجية و المنصورة ، وكذا قناعات أنصار الاسلام والحق تحت غطاء الدين
يعطيهم شعورا بمشروعية الافعال و في هذا السياق يجد الشباب المتطرف نفسه في علاقة
صراع مع الآخر واقصائه عبر حجج الكفر و
الردة ، و يفتح هذا التفسير المجال للمخيال السلفي ، ويجعل المنتسب للتيار في حيرة
وتساؤل عن هل التيار الجهادي التزام بمنهج الدين أم انحراف معياري ؟ .
قائمة
المصادر و المراجع
1-
أبو بكر ناجي،ادارةالتوحش:أخطر مرحلة ستمر بها الامة،الكويت،مركز الدراسات
والبحوث الاسلامية،2004 ،ص112 .
2-
أكرم حجازي ،رحلة في صميم عقل السلفية الجهادية تنظيم القاعدة نموذجا
، المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجيّة،تونس 2006.
3-
الان توران براديغما جديدة لفهم عالم اليوم،ترجمة،جورجسليمان،بيروت المنظمة
العربية للترجمة، 2011 .
5-
محمد الحاج سالم ، السلفية الجهادية في تونس : الواقع و المآلات ، المعهد
التونسي للدراسات الاستراتيجية ، 2014 .
6-
المنجي الزيدي ، ثقافة الشارع : دراسة سوسيو ثقافية في مضامين ثقافية
الشباب ، تونس، مركز الناشر الجامعي، 2007 .
7-
نبيل حميد سثة ،المقابلة في البحث الاجتماعي ،مجلة العلوم الإنسانية و
الاجتماعية ،العدد 8 ، الجزائر، ص 102.
تعليقات
إرسال تعليق